عبدالرحمن الضويحي.. شيخ المخرجين
cultureعبدالرحمن الضويحي.. شيخ المخرجين ورائد المسرح الكويتي
|
| عبدالرحمن الضويحي.. رمز من رموز الفن الكويتي وشيخ المخرجين |
يا عشاق الفن والتراث، اليوم بناخذكم في رحلة عبر الزمن إلى الكويت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وقت ما كانت الحركة المسرحية في بداياتها، وظهر نجوم صنعوا تاريخ الفن الخليجي. واحد من هالنجوم هو عبدالرحمن الضويحي، الرجل اللي جمع بين الإخراج والتمثيل والتأليف والشعر، وأطلق عليه لقب "شيخ المخرجين" الكويتيين.
الضويحي مو مجرد فنان عابر، هو مؤسس حقيقي، وجيل كامل من الفنانين الكويتيين تعلم على يديه. وأنا الدكتور محمد الجندي، أستاذ جامعي ومؤسس منصة ربكا نيوز، من خلال متابعتي للتراث الفني الخليجي، أرى إن الضويحي يستحق وقفة تأمل وتقدير، لأنه كان من القلائل اللي جمعوا بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية والالتزام المهني، وهذا ما يخليه نموذجاً يحتذى به لكل فنان.
قصة الضويحي تبدأ من حي القبلة في الكويت، وتنتهي بتكريمه على منصات المسرح، لكن بين البداية والنهاية، هناك رحلة عطاء استمرت أكثر من أربعين عاماً، ترك خلالها بصمة لا تنسى في المسرح والدراما التلفزيونية والسينما والإذاعة، وحتى في الشعر الشعبي.
النشأة والبدايات.. من فريج السند إلى خشبة المسرح
وُلِدَ عبدالرحمن بن سليمان بن ضويحي الضويحي في عام 1934 بحي القبلة في الكويت، وتحديداً في فريج السند. عاش معظم حياته في حي الصالحية بشارع فهد السالم، وهو حي معروف في الكويت القديمة. والده كان منتمياً لأسرة الضويحي، وهي أسرة هاجرت إلى الكويت في القرن التاسع عشر من بلدة جلاجل النجدية، وسكنت أحياء الجبلة والصالحية. وتصاهرت مع العديد من العائلات الكويتية المعروفة مثل الشايجي والبخيت والعيسى والمرجان وبورحمة والحوال والعيد.
تربى الضويحي مع إخوته الستة، لكنه عانى من اليتم مبكراً، حيث توفي والده وهو في السادسة من عمره. هالحدث الصعب كان له أثر كبير في شخصيته، وجعله يعتمد على نفسه من سن مبكرة. بدأ تعليمه في الكتاتيب عند المطوع "ملا محمد بن شرف" في منطقة القبلة، حيث تعلم القرآن الكريم، ثم انتقل إلى المدرسة القبلية، وبعدها إلى المدرسة المباركية، وأخيراً أكمل دراسته في المدرسة الأحمدية.
لكن المدرسة كانت مجرد بداية، لأن موهبته الحقيقية بدأت تظهر من خلال الأنشطة المدرسية. كان الضويحي مشاركاً دائماً في الفعاليات المدرسية، وكان يتلو القرآن الكريم بصوته الجميل في طابور الصباح، ويقدم مقاطع تمثيلية قصيرة على المسرح المدرسي. هذا الشي لفت انتباه ناظر مدرسته، المربي عبدالملك الصالح، فاختاره للمشاركة في مسرحية تاريخية بعنوان "حرب البسوس" وهو في التاسعة من عمره، وكان المخرج هو الناظر نفسه.
من هنا بدأت رحلة الضويحي مع المسرح، وهنا ولد شغفه بالفن الذي لم يفارقه طوال حياته.
جدول: المحطات الأساسية في حياة الضويحي
| السنة | الحدث | التفاصيل |
|---|---|---|
| 1934 | الميلاد | ولد في حي القبلة، فريج السند، الكويت |
| 1940 | وفاة الوالد | فقد والده وعمره 6 سنوات |
| 1943 | أول عمل مسرحي | شارك في مسرحية "حرب البسوس" في المدرسة القبلية |
| 1957 | الانضمام للمسرح الشعبي | بدأ مسيرته الاحترافية مع فرقة المسرح الشعبي |
| 1962 | بداية الكتابة والإخراج | كتب وأخرج أولى مسرحياته "سكانه مرته" |
| 1964 | تأسيس المسرح العربي | شارك في تأسيس فرقة المسرح العربي |
| 1978 | مسلسل الأقدار | جسد شخصية "النوخذة بن عيدان" |
| 1996 | الوفاة | توفي في 26 يوليو عن عمر 62 عاماً |
هذا الجدول يلخص المحطات الأساسية في حياة الضويحي، من الميلاد إلى الوفاة، ويسلط الضوء على أهم إنجازاته في كل مرحلة.
الانطلاقة الاحترافية.. المسرح الشعبي والمسرح العربي
في عام 1957، وبعد عودته من لبنان، وجد الضويحي خطاباً من المخرج محمد النشمي يدعوه فيه للانضمام إلى "المسرح الشعبي". استجاب الضويحي للدعوة، والتحق بالفرقة في سبتمبر 1957، وكان وقتها يعمل في دائرة الصحة العامة أميناً للصندوق. انضم إلى زملائه الرواد مثل عبدالله خريبط وعبدالرزاق النفيسي وخالد النفيسي وحسين غلوم.
شارك الضويحي في مجموعة من الأعمال المسرحية الأولى، وكانت مرتجلة من تأليف وإخراج محمد النشمي، مثل: "قرعة وصلبوخ" و"ضاع الملف" و"ضاع الأمل" و"شرباكة". بعد سبع سنوات من العمل في المسرح الشعبي، وفي عام 1964، أقدم الضويحي على تأسيس فرقة جديدة مع مجموعة من زملائه، وهي "المسرح العربي"، مع خالد النفيسي وعبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وغانم الصالح وحسين يعقوب العلي وحسين الصالح وعبدالوهاب السلطان وجعفر المؤمن وعدنان حسين.
في المسرح العربي، ظهر الضويحي ممثلاً على خشبته في أربع مسرحيات جادة باللغة العربية الفصحى، من إخراج المسرحي المصري الكبير زكي طليمات. هذه المسرحيات كانت: "صقر قريش" من تأليف محمود تيمور، و"فاتها القطار" من تأليف توفيق الحكيم، و"مضحك الخليفة" من تأليف علي أحمد باكثير، و"آدم وحواء" من اقتباس فتوح النشاطي.
لكن الضويحي ما استمر طويلاً في المسرح العربي، لأنه استقال في عام التأسيس وعاد إلى المسرح الشعبي، لكنه هذه المرة عاد لينتشله من العمل الارتجالي إلى العمل المؤسسي المحترف.
تأليف وإخراج وتمثيل.. ثلاثي الإبداع
في العام نفسه الذي استقال فيه من المسرح العربي، قدم الضويحي أولى تجاربه الحقيقية في كتابة النص والإخراج من خلال مسرحية "سكانه مرته"، التي حققت نجاحاً كبيراً. تلا ذلك مجموعة من الأعمال الناجحة للمسرح الشعبي، حيث أخرج وألف ومثل في عدة مسرحيات، منها: "الجنون فنون" و"غلط يا ناس" في 1964، "كازينو أم عنبر" في 1966، "انتخبوني" و"حرامي آخر موديل" في 1967، و"روزنامة" في 1970.
كما قام بتأليف مسرحية "اصبر وتشوف" التي أخرجها المصري حمدي فريد في 1965، وتعد أول عمل مسرحي كويتي تدور أحداثه في إطار من الخيال والكوميديا. وأخرج أيضاً مسرحيات من تأليف غيره، مثل: "يمهل ولا يهمل" في 1966، و"كاوبوي في الدبدبة" في 1970، و"إبراهيم الثالث" في 1973، و"سخنّا الماي وطار الديك" في 1974، و"ورطة خريج" في 1976، و"العمارة رقم 20" في 1978.
الضويحي لم يقتصر على المسرح فقط، بل امتد نشاطه إلى الدراما التلفزيونية، فجسد شخصية شاعر الكويت الضرير فهد العسكر في ثلاثية "الرحلة والرحيل" التي أُنتجت سنة 1979. وشارك في مسلسل "الأقدار" سنة 1978 مع نخبة من نجوم الكويت، مثل عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وغانم الصالح وإبراهيم الصلال، وأدى ببراعة دور "النوخذة بن عيدان".
جدول: أبرز أعمال الضويحي المسرحية
| اسم المسرحية | السنة | دور الضويحي |
|---|---|---|
| سكانه مرته | 1964 | تأليف وإخراج |
| غلط يا ناس | 1964 | تأليف وإخراج وتمثيل |
| الجنون فنون | 1964 | تأليف وتمثيل |
| كازينو أم عنبر | 1966 | تأليف وإخراج |
| انتخبوني | 1967 | تأليف وإخراج |
| حرامي آخر موديل | 1967 | تأليف وإخراج |
| روزنامة | 1970 | تأليف وإخراج |
| اصبر وتشوف | 1965 | تأليف |
هذا الجدول يوضح أبرز الأعمال المسرحية التي شارك فيها الضويحي، سواء بالتأليف أو الإخراج أو التمثيل، ويبرز تنوع موهبته وإسهامه في الحركة المسرحية الكويتية.
السينما والإذاعة.. بصمة في كل مجال
الضويحي ما اكتفى بالمسرح، بل امتد إبداعه إلى السينما والإذاعة. في عام 1975، كتب قصة وسيناريو وحوار فيلم "الصمت" للمخرج هاشم محمد الشخص. هذا الفيلم يعتبر التجربة السينمائية الثانية للكويت بعد فيلم "بس يا بحر" للمخرج خالد الصديقي. الفيلم يحكي قصصاً من ماضي الكويت في مرحلة ما قبل اكتشاف النفط.
في الإذاعة، ساهم الضويحي مبكراً بكتابة وإخراج تمثيلية بعنوان "طبيب يداوي الناس وهو عليل"، وتم تقديمها على الهواء مباشرة. كما كتب أول تمثيلية محلية أنتجها تلفزيون الكويت في عام 1964، وكانت بعنوان "إذا فات الفوت ما ينفع الصوت"، وهي من بطولة سعد الفرج وعبدالوهاب السلطان وحسين الصالح الدوسري، وشاركت بها الكويت في مهرجان التلفزيون بمدينة الإسكندرية.
هذه الإسهامات المتعددة تثبت أن الضويحي كان فناناً شاملاً، لا يحبس نفسه في قالب واحد، بل يسعى دائماً للتجديد والانتشار في كل مجالات الفن.
الضويحيات.. شاعر الزهيريات
بالإضافة إلى إبداعه المسرحي والدرامي، كان الضويحي شاعراً مبدعاً في فن الزهيريات، وهو الشعر الشعبي القصير المعروف في الكويت. أولى محاولاته في هذا الفن كانت في عام 1962، حينما كان في القاهرة، حيث كتب زهيرية مطلعها "يا عاذلي ما أرى في صاحبك سلوى".
اشتهر الضويحي بالزهيريات حتى صار يُطلق على زهيرياته اسم "الضويحيات". الذين درسوا زهيرياته أجمعوا على أنها متنوعة المواضيع والأغراض، وأنه نجح في المزج بين الأصالة والتراث والمعاصرة، واستخدام خليط من المرادفات اللفظية القديمة والحديثة من الفصحى والعامية، مما أضفى على زهيرياته قوة وثراء.
يمكن النظر إلى زهيريات الضويحي على أنها نابعة من شاعر مرهف الإحساس وصادق التعبير، ومن إنسان مرح ساخر يستهدف تقويم مجتمعه وإصلاحه، وحضه على مكارم الأخلاق والتمسك بالقيم والمبادئ الأصيلة. من أشهر زهيرياته، التي نشرها في دواوين وفي جريدة "الأنباء" الكويتية منذ عام 1994، زهيرية بعنوان "أنصاف الحلول" قال فيها:
أنصـاف الحلول مو كل حال فيها أنصـاف
والاثـلاث يا ذا الربـع ما تستوي أنصـاف
وما يطير طير انّتف ما يطيـر إلا إن صـاف
هيهـات مـا يجتمع حاضـر معا ماضـي
مشعـاب في محزمك مـو خنجـرٍ ماضـي
وسـمي مـا يلتفـت لا صـوّتـوا ماضـي
ورقيّـه مـا تلتفـت لا صـوّتـوا إنصـاف.
وزهيرية أخرى بعنوان "يا ضاحي" قال فيها:
ضـاحي تشَـرّهت وما في الشره شي يبنـي
ضـاحي تعبـت بـربـاك وشـوف شيّبنـي
ضـاحي أنـا معك شـي يهـدم وشي يبنـي
خلنـا نتفـاهم يا ضـاحي خـل يقـوم البنـا
الـوقـت مـا ينلحـق يالله تـرى ولبنـا
جـدّك لاجلنـا يعـاف إحْليْبتـَه ولْبِنـَه
مـا قـال ولّيـن إلهـالـدنيـا إشّيّـيبـنـي.
اكتشاف المواهب.. الأب الروحي للفنانين
من الأمور التي تحسب للضويحي في تاريخ الفن الكويتي، أنه كان وراء اكتشاف عدد من المواهب الكويتية التي ذاع صيتها لاحقاً. من بين هؤلاء: مريم الغضبان، جاسم النبهان، طيبة الفرج، أحمد الصالح، إبراهيم الصلال، وعبدالعزيز النمش وعبدالعزيز المسعود.
الضويحي لم يكن مجرد مخرج يوجه الممثلين، بل كان مربياً فاضلاً يحتضن المواهب ويصقلها، ويمنحها الفرصة لتبرز. هذا الجانب الإنساني يضيف بعداً آخر لشخصيته، ويجعله قدوة حسنة لكل فنان.
التكريم.. اعتراف متأخر بعطاء كبير
تم تكريم الضويحي أكثر من مرة، فكرمته فرقة المسرح العربي في "يوم المسرح العربي"، وجرى تكريمه في مهرجان المسرح الخليجي بدولة قطر سنة 1990. ثم تكرر ذلك في 4 يونيو 1996 من قبل جمعية الفنانين الكويتيين، ولأنه كان وقتذاك مريضاً في مستشفى الصباح، فقد انتقل وزير الإعلام آنذاك الشيخ سعود الناصر الصباح برفقة رئيس جمعية الفنانين الكويتية عبدالعزيز المفرج (شادي الخليج) إلى المستشفى لتكريمه هناك.
كما احتُفي بذكراه ضمن أنشطة مهرجان "صيفي ثقافي" السابع في مكتبة الكويت الوطنية عام 2012، وأقيمت له منارة ثقافية. لكن على الرغم من كل هذا، يعتقد البعض أن الضويحي لم ينل حقه من التكريم كما يجب.
رأي الدكتور محمد الجندي.. رمز يجب أن يبقى في الذاكرة
بعد هذا الاستعراض لحياة وإبداع عبدالرحمن الضويحي، أود أن أضع بين أيديكم خلاصة تحليلي لهذه الشخصية الفنية الفذة، من موقعي كأستاذ جامعي ومؤسس لمنصة ربكا نيوز الإعلامية.
أولاً: القدوة الفنية
الضويحي كان نموذجاً للفنان المثقف والمخلص، الذي آمن برسالة الفن قبل أي شيء آخر. كان يؤمن بأن المسرح وسيلة تثقيف وتوعية وتوجيه قبل أن يكون وسيلة ترفيه. هذه الرسالة النبيلة يجب أن تظل حاضرة في وجدان كل فنان عربي، خصوصاً في زمن طغت فيه الماديات على القيم الفنية.
ثانياً: التنوع والإبداع
ما يميز الضويحي عن غيره من الفنانين هو تنوع مواهبه وإبداعه في عدة مجالات: المسرح، الدراما التلفزيونية، السينما، الإذاعة، والشعر. هذا التنوع يثبت أن الإبداع الحقيقي لا يحده مجال واحد، بل يتجاوز الحدود ليصنع تأثيراً أوسع.
ثالثاً: الأثر الإنساني
اكتشاف الضويحي للمواهب ورعايته للفنانين الشباب هو جانب إنساني رائع، يضيف بعداً أخلاقياً لمسيرته الفنية. هذا النوع من العطاء هو ما يخلد ذكرى الفنان في قلوب الناس، وليس فقط أعماله الفنية.
رابعاً: الدعوة لتكريم الرواد
أدعو المؤسسات الثقافية والفنية في الخليج العربي إلى إيلاء المزيد من الاهتمام برواد الحركة المسرحية والفنية، وتكريمهم تكريماً يليق بعطائهم، وتوثيق سيرهم الذاتية للأجيال القادمة.
كلمة أخيرة
عبدالرحمن الضويحي لم يكن مجرد فنان عابر، بل كان مدرسة فنية وإنسانية، ترك بصمة لا تنسى في تاريخ الفن الكويتي والخليجي. رحم الله شيخ المخرجين، وأسكنه فسيح جناته، وألهم الجيل الجديد من الفنانين أن يسيروا على دربه.
المصدر الموثق: ربكا نيوز السعودية - rbkanews.com | جميع الحقوق محفوظة © 2026









اكتب تعليقك الآن: