ربكا نيوز | العالم
بقلم: سما على | محررة صحفية وكاتبة
استراتيجية الحذر: لماذا تتجنب تل أبيب ضرب البنية التحتية الإيرانية النووية؟
![]() |
| إسرائيل تخشى من الرد المباشر لإيران حتى في ظل الدعم الأمريكي المحتمل. |
على الرغم من التهديدات المتكررة والحاجة الملحة، وفقاً للقيادة الإسرائيلية، لـتحييد القدرات النووية الإيرانية، يظل قرار شن ضربة مباشرة على طهران رهناً بحالة من التردد العميق داخل تل أبيب. هذا التردد لا ينبع من غياب القدرة العسكرية، بل من مخاوف استخباراتية وعسكرية "غير محسوبة" تتعلق بطبيعة الرد الإيراني المتوقع. فالقلق الإسرائيلي يتمحور حول سيناريو "الرد المباشر المدمر" الذي قد يشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيرة تستهدف عمق الأراضي الإسرائيلية، وهو ما أكدته تقارير استخباراتية حديثة أشارت إلى استعدادات إيرانية متقدمة لمثل هذا السيناريو.
هذا القلق يتفاقم مع كل تقرير جديد يكشف عن تقدم في برنامج طهران النووي، لكن الضغط الأمريكي المحتمل، خاصة من شخصيات مثل دونالد ترامب، يزيد من تعقيد الموقف. فبينما قد يدعم ترامب مثل هذه الضربة، يخشى صناع القرار في تل أبيب من الثمن الباهظ الذي سيدفعونه في المقابل.
طبيعة الرد الإيراني المتوقع: الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة
لم تعد إيران محصورة في الاعتماد على صواريخ وكلاءها التي قد تتصدى لها منظومات الدفاع الجوي بسهولة نسبية. فالتقارير الاستخباراتية الإسرائيلية تشير إلى أن طهران قد طورت قدرات ردع ذاتية تمكنها من إطلاق هجوم "متعدد الطبقات ومتزامن". يتضمن هذا الهجوم سيناريوهات عدة، أبرزها:
- الصواريخ الباليستية الدقيقة: تمتلك إيران ترسانة من الصواريخ الباليستية قادرة على الوصول إلى أي نقطة في إسرائيل، مع تطوير مستمر في دقة الإصابة (Precision-guided Munitions).
- أسراب الطائرات المسيرة (الدرونز): يمكن لإيران إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الانتحارية والمسيَّرة عن بعد، مما يشكل تحدياً كبيراً لقدرة منظومات الدفاع الجوي على التعامل معها كلها في وقت واحد.
- تفعيل الوكلاء من جبهات متعددة: بالإضافة إلى الرد المباشر، ستستغل طهران الضربات الإسرائيلية لتفعيل حزب الله من الشمال، والحوثيين من الجنوب، والميليشيات في سوريا والعراق، لفتح جبهة إقليمية واسعة.
الهدف الإيراني من هذا الرد المباشر المتوقع ليس فقط إحداث خسائر، بل زرع حالة من عدم الاستقرار والذعر الداخلي، وتدمير مفهوم "الأمن المطلق" الذي تعتمد عليه إسرائيل. كما أن قدرة طهران على التنسيق بين وكلائها من محيط إسرائيل يمثل تحدياً لوجستياً ضخماً لمنظومات الدفاع الجوي التي ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع أهداف تأتي من زوايا مختلفة وفي توقيتات متزامنة.
مقارنة بين الخيارين: الضرب المباشر أم استهداف الوكلاء؟
يتلخص الصراع الإسرائيلي الداخلي حول ضرب إيران في مقارنة بين نتائج خيارين، كلاهما يحمل مخاطر عالية، لكن أحدهما يمكن السيطرة على تبعاته أكثر من الآخر.
جدول المقارنة: السيناريوهات الإسرائيلية تجاه إيران
| وجه المقارنة | خيار الضرب المباشر (الأقل تفضيلاً) | خيار استهداف الوكلاء (المفضل حالياً) |
|---|---|---|
| الرد الإيراني المتوقع | رد مباشر ومكثف (صواريخ باليستية وطائرات مسيرة) من الأراضي الإيرانية. | رد محدود وغير مباشر عبر حزب الله أو الميليشيات. |
| هدف العملية | تعطيل البرنامج النووي بشكل جذري وسريع. | احتواء نفوذ طهران الإقليمي وخنق ممرات الدعم اللوجستي. |
| مستوى المخاطرة الإقليمية | حرب إقليمية شاملة غير قابلة للاحتواء. | صراع يمكن إدارته (Controlled Escalation). |
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن الضرب المباشر على إيران يمثل "مخاطرة غير محسوبة"، خصوصاً وأن أي هجوم ناجح على المنشآت النووية سيقابله دمار هائل على الجبهة الداخلية لم يسبق له مثيل، وهو الثمن الذي لا يريد الجيش دفعه في الوقت الراهن.
البعد السياسي: ترامب وحرب الظل
إن العلاقة بين إسرائيل وواشنطن تظل عنصراً حاسماً في أي قرار لضرب إيران. في حين أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، كانت تُعتبر الأكثر استعداداً لدعم عمل عسكري، فإن هذا الاحتمال لا يزيل المخاوف الإسرائيلية. فدعم واشنطن قد يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً، لكنه لا يوفر حماية كاملة من الرد الإيراني الصاروخي والمسير الذي ستكون نتائجه ملموسة داخل الأراضي الإسرائيلية. لذلك، تفضل تل أبيب استراتيجية التصعيد التدريجي وإدارة الصراع عبر الوكلاء لفرض "الردع" دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وفي الوقت نفسه، طالبت القوى السياسية في مصر بضرورة الحل الفوري لأزمات المواطن الملحة، على رأسها أزمة انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، مما يعكس أن التوترات الإقليمية تتوازى مع ضغوط داخلية متزايدة على الحكومات في المنطقة. المواطن هو المحرك الأساسي للأجندة السياسية، والنجاح يكمن في إيجاد توازن بين التحديات الداخلية والخارجية.
الخاتمة: الردع الإيراني في مواجهة الرغبة الإسرائيلية
يظل القلق الإسرائيلي من ضرب إيران قائماً ومبرراً. ففي حين أن التهديد النووي الإيراني يمثل تحدياً استراتيجياً، فإن الرد المحتمل من طهران باستخدام ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إلى جانب تفعيل وكلائها على جميع الجبهات، يحوّل الضربة المباشرة إلى مغامرة غير محسوبة. لهذا، تواصل تل أبيب نهجها المفضل باستهداف الوكلاء ومحاولة خنق الدعم اللوجستي الإيراني، بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة قد تُدخل المنطقة بأسرها في صراع لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
إن هذا الموقف المعقد يفرض على إسرائيل التفكير ملياً في العواقب طويلة الأمد، حيث أن الحل العسكري المباشر يحمل في طياته بذور دمار إقليمي واسع، حتى مع أي ضوء أخضر أمريكي محتمل. الصبر الاستراتيجي أصبح هو السمة الأبرز للمرحلة الحالية، مدفوعاً بـخوف استخباراتي مدروس من قدرات الرد الإيرانية.


















