تم النسخ!
حصن المسلم في مواجهة الصقيع: أدعية وأحكام
بقلم قدر يحيى: رئيس مجلس الإدارة
![]() |
| أدعية مستجابة وأحكام فقهية هامة لفصل الشتاء |
عندما تشتد الرياح وتعصف الأجواء، ويتحول الهواء إلى صقيع يلسع الوجوه، يتذكر المؤمن قدرة الله المطلقة في تصريف الكون. الشتاء ليس مجرد موسم للانكماش والبحث عن الدفء المادي فحسب، بل هو "ربيع المؤمن" كما وُصف في الأثر، فيه تغتنم الطاعات وتُضاعف الأجور بصبرك على المكاره. لكن، مع اشتداد موجات البرد (الزمهرير)، يثور في أذهاننا تساؤلات فقهية وروحانية عديدة: كيف نجمع بين الحفاظ على صحتنا وأداء العبادات؟ وما هي الأدعية التي تحول هذا البرد القارس إلى برد وسلام على قلوبنا؟
ويرى الكاتب أن: التعامل مع الشتاء بذكاء إيماني هو المفتاح. لا تتذمر من البرد، بل حوله إلى عبادة من خلال الدعاء والاستشعار بعظمة الخالق، واعلم أن الله لم يشرع ديناً فيه مشقة تفوق طاقة البشر، لذا فإن معرفة "الرخص الشرعية" واجبة لرفع الحرج.[1]
في هذا الدليل الشامل، نغوص في عمق النصوص الشرعية لنستخرج لكم كنوز الأدعية المنسية، ونفصل لكم الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة والوضوء في البرد بأسلوب مبسط ومباشر.
حقيقة "الزمهرير" والعبرة من قسوة البرد
كثير منا يربط عذاب النار بالحرارة فقط، لكن النصوص النبوية كشفت لنا عن وجه آخر للعذاب وهو "الزمهرير". البرد الشديد الذي لا يطاق هو تذكير دنيوي بعذاب الآخرة، مما يدفع المسلم للاستعاذة بالله منه.
روى العلماء عن النبي ﷺ أنه قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير". إذن، قسوة الشتاء هي "نفس" من أنفاس جهنم، فكيف بجهنم نفسها؟!
تحذير هام: عندما تشتد برودة الجو، لا تلعن الطقس ولا تسب الريح، فهي مأمورة ومسخرة من الله. بدلاً من ذلك، الجأ فوراً إلى الدعاء المأثور: "اللهم أجرني من زمهرير جهنم"، لتحويل لحظة الألم إلى لحظة قرب من الله.[2]
أدعية جامعة للبرد والمطر والرياح (كنوز نبوية)
وردت عن المصطفى ﷺ صيغ بديعة تجمع بين طلب الخير والتعوذ من الشر عند تقلبات الجو. احفظ هذه الأدعية عن ظهر قلب ورددها أنت وأهل بيتك:
| الحالة الجوية | الدعاء المستحب والمأثور |
|---|---|
| اشتداد الرياح والعواصف | "اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به". |
| نزول المطر (الغيث) | "اللهم صيباً نافعاً"، ويفضل كشف جزء من الجسد ليصيبه المطر (تبركاً بحديث عهد بربه). |
| الخوف من غزارة المطر | "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر". |
| سماع صوت الرعد | "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته". (يُقال لتعظيم قدرة الخالق). |
نصيحة ذهبية: لا تنسَ نصيب الفقراء والمساكين في دعائك وقت البرد. الدعاء الجامع: "اللهم في هذا البرد القارس، نستودعك كل من لا مأوى له، وكل من لا لباس له.. اللهم كن لهم عوناً ونصيراً"، فهذا من شيم القلوب الرحيمة التي يرحمها الرحمن.[3]
أحكام العبادة في الشتاء: فقه التيسير
يتشدد البعض في العبادات حتى في أقسى الظروف ظناً منهم أن ذلك أعظم للأجر، بينما يتهاون آخرون لأدنى سبب. والوسطية هي منهج الإسلام. إليك الفصل في أهم المسائل الشتوية:
- أولاً: الوضوء أم التيمم؟
الأصل هو استخدام الماء. ولا يجوز الانتقال للتيمم لمجرد الشعور ببرودة الماء، خاصة في عصرنا الذي تتوفر فيه سخانات المياه. متى يجوز التيمم؟ إذا كان الماء شديد البرودة لدرجة تجمد الأطراف أو التيقن من حدوث مرض أو تفاقمه، ولم تجد وسيلة لتسخينه، هنا فقط تصبح الرخصة واجبة للحفاظ على النفس.
- ثانياً: الجمع بين الصلوات:
يُرخّص للرجال الذين يصلون جماعة في المسجد أن يجمعوا بين (الظهر والعصر) وبين (المغرب والعشاء) تقديماً، إذا وجد "مطر يبل الثياب" أو وحل شديد يمنع المشي، أو ريح باردة شديدة جداً في ليلة مظلمة. تنبيه: هذه الرخصة خاصة بمسجد الجماعة، ولا يجوز لمن يصلي في بيته أن يجمع الصلوات بحجة المطر في الخارج!
هل تعلم؟ أن كلمة (الوَدْق) المذكورة في القرآن تعني المطر، وأن الآيات وصفت بدقة مذهلة كيفية تكون السحاب الركامي ونزول البرد (كرات الثلج) من جبال السحب في السماء. سبحان من علم نبيه حقائق الكون قبل اكتشافها.[4]
فضل "إسباغ الوضوء على المكاره"
رغم وجود رخص التيسير، إلا أن المؤمن القادر الذي يتحدى برودة الجو (بوسائل آمنة) ويحسن وضوءه، ينال درجة عظيمة. في الحديث: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره..". فالمشقة هنا -غير الضارة- تجعل العبادة دليلاً على صدق المحبة لله.
وهذا يشبه: اختبار الصدق مع الحبيب. فكلما كانت الظروف أصعب وبقيت على عهدك ولقائك (صلاتك)، كلما ثبت صدق محبتك. الوضوء في البرد رسالة حب صامتة لله تعالى.
تذكر دائماً: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتنافسون في "العبادات الشاقة" لزيادة الأجر، ولكن دون تعريض النفس للهلاك، فاحفظ التوازن بين المجاهدة وبين الحفاظ على الصحة.
الصلاة في الرحال.. سنة مهجورة
من جماليات الدين وسننه المهجورة، أنه عند اشتداد البرد أو المطر والوحل، يُشرع للمؤذن أن ينادي: "ألا صلوا في رحالكم" (أي في بيوتكم)، وذلك لرفع المشقة عن المسلمين. وقد فعلها النبي ﷺ والصحابة، وهي رخصة تؤكد أن سلامة الإنسان وخشوعه أهم من مجرد الحضور الجسدي في المسجد مع تشتت الذهن بسبب البرد القارس.
الخلاصة
الزتونة (الخلاصة): استشعر معنى "الزمهرير" كدافع للنجاة من النار، وأكثر من الاستغفار وقت نزول المطر فهو مستجاب. وخذ بالرخصة (الجمع والصلاة في البيت) إن وجدت المشقة الحقيقية، وإلا فاجعل من برودة الماء سبباً لمغفرة ذنوبك.
خلاصة القول: بصراحة، فصل الشتاء ليس عائقاً عن العبادة بل هو ميدان سباق للمؤمنين، ليله طويل للقيام ونهاره قصير للصيام. استقبل البرد بالدعاء واليقين بحكمة الله، واستغل الرخص الشرعية عند الضرورة القصوى. الأهم أن يبقى قلبك دافئاً بذكر الله، وأن تتذكر من لا سقف يؤويه في هذه الليالي الصعبة وتشركهم في دعائك وصدقاتك.
رسالة أخيرة: الدفء الحقيقي ليس في المدفأة والملابس فقط، بل في حرارة الإيمان والدعاء الصادق الذي يخرج من قلب موقن. اجعل هذا الشتاء محطة تزود بالطاعة، ولا تنسى أن "الشتاء ربيع المؤمن".


















