تم النسخ!
الذهب يشتعل بفعل "حلحلة غرينلاند": كيف تهز الجغرافيا السياسية أسواق المال؟
أسواق | ربكا نيوز
![]() |
| الذهب يثبت مكانته كملاذ آمن في أوقات الغموض الجيوسياسي |
في عالم المال الذي لا يهدأ، قد تأتي أكبر المحفزات من أماكن غير متوقعة. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو مؤشرات التضخم وأسعار الفائدة، جاءت شرارة جديدة من الدائرة القطبية الشمالية لتشعل "حمى الذهب" من جديد. التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول "حلحلة الوضع" في غرينلاند لم تكن مجرد تعليق سياسي عابر، بل كانت بمثابة إشارة قوية للمستثمرين بأن فصلاً جديداً من التوترات الجيوسياسية قد بدأ، مما دفعهم للهرولة نحو الملاذ الأكثر أمانًا عبر التاريخ: الذهب.
تفاعلت الأسواق بشكل فوري، حيث قفز سعر أونصة الذهب ليتجاوز حاجز 4700 دولار، محققًا مكاسب أسبوعية تجاوزت 2%. هذا الصعود لم يكن مدفوعًا بالطلب الصناعي، بل بالطلب الاستثماري المحموم من قبل الصناديق والأفراد الذين يبحثون عن حماية ثرواتهم من تقلبات قد تنجم عن أي مواجهة دبلوماسية أو اقتصادية قادمة في الشمال.
وائل النحاس يحلل: لماذا الذهب الآن؟
في تعليقه على هذه التطورات، يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن "حلحلة غرينلاند" هي مجرد قمة جبل الجليد لمجموعة من العوامل التي تدعم صعود الذهب والفضة نحو قمم قياسية جديدة. وأوضح النحاس أن الأسواق لم تعد تتحرك فقط بناءً على البيانات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت أكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية.
وأشار النحاس إلى عدة عوامل أخرى تدعم توقعاته المتفائلة للذهب:
- ضعف الين الياباني: تاريخيًا، كان الين ملاذًا آمنًا منافسًا للذهب. ومع ضعفه الحالي، يفقد جاذبيته، مما يوجه المزيد من السيولة نحو المعدن الأصفر.
- ضغط الديون العالمية: الحكومات حول العالم تواجه مستويات ديون غير مسبوقة، مما يثير قلق المستثمرين بشأن استقرار العملات الورقية على المدى الطويل.
- استمرار التوترات في الشرق الأوسط وأوروبا: هذه الصراعات تضمن بقاء الطلب على الملاذات الآمنة مرتفعًا.
كيف يتفاعل السوق مع الأحداث الجيوسياسية؟
لفهم حركة السوق، يجب أن ندرك أن المستثمرين يتصرفون بناءً على "التوقعات" وليس فقط "الحقائق". مجرد التلميح بوجود صراع محتمل يكفي لإحداث موجة شراء ضخمة في أصول الملاذ الآمن. هذا السلوك يتبع آلية واضحة يمكن تلخيصها في خطوات.
آلية تفاعل السوق مع المخاطر الجيوسياسية
| الخطوة / الوجه | التفاصيل |
|---|---|
| 1. ظهور الحدث (المحفز) | يظهر تصريح سياسي، أو تحرك عسكري، أو أي حدث يزيد من حالة عدم اليقين في العالم. (مثال: تصريحات ترامب عن غرينلاند). |
| 2. تقييم المخاطر | يبدأ المستثمرون والمحللون في تقييم التأثير المحتمل للحدث على استقرار الأسواق والعملات الرئيسية. |
| 3. الهروب إلى الأمان (Flight to Safety) | يقوم المستثمرون ببيع الأصول عالية المخاطر (مثل الأسهم) وشراء أصول الملاذ الآمن (الذهب، الدولار، السندات الحكومية القوية). |
| 4. ارتفاع الأسعار | زيادة الطلب على الذهب تؤدي إلى ارتفاع سعره بشكل حاد، مما يجذب المزيد من المشترين الذين يخشون "فوات الفرصة"، وهذا يخلق دورة صعودية. |
المستقبل: هل يستمر الصعود؟
يتوقع وائل النحاس أن تستمر موجة الصعود، ليس فقط للذهب بل للفضة أيضًا، التي يعتبرها "ذهب الرجل الفقير" والتي غالبًا ما تتبع حركة الذهب ولكن بتقلبات أكبر. يعتقد النحاس أننا ندخل حقبة جديدة من "إعادة تقييم المخاطر" حيث أصبحت الأحداث السياسية محركًا رئيسيًا للأسواق بنفس أهمية، إن لم يكن أكثر من، البيانات الاقتصادية.
مقارنة: الاستثمار في الذهب مقابل الأسهم وقت الأزمات
| معيار المقارنة | الذهب (كملاذ آمن) | الأسهم (كأصل مخاطرة) |
|---|---|---|
| السلوك وقت الأزمة | يميل إلى الارتفاع مع زيادة الخوف. | يميل إلى الانخفاض مع زيادة الخوف. |
| مصدر القيمة | أصل مادي حقيقي، مخزن للقيمة تاريخيًا. | يعتمد على أرباح الشركات المستقبلية (تتأثر بالأزمات). |
| السيولة | عالية جدًا، يمكن تسييله في أي وقت. | عالية، ولكن البيع وقت الأزمة يعني تحقيق خسائر. |
خلاصة القول: الذهب مرآة العالم
في الختام، يؤكد الارتفاع الأخير في أسعار الذهب على حقيقة أساسية في عالم المال: الأحداث الجيوسياسية هي محرك لا يقل أهمية عن الأرقام الاقتصادية. "حلحلة غرينلاند" هي تذكير بأن أي نقطة توتر على خريطة العالم يمكن أن تتحول إلى موجة تؤثر على استثماراتنا، ويبقى الذهب هو الصخرة التي يلجأ إليها البحارة في خضم هذه الأمواج.


















