تم النسخ!
كدمة العظام: الإصابة الخفية التي تتطلب أكثر من مجرد راحة
ويرى الكاتب أن: الخطر الحقيقي لكدمة العظام يكمن في "خفائها". المريض يشعر بألم شديد يشبه الكسر، لكنه يذهب للطوارئ ويجري أشعة سينية (X-ray) فتظهر العظام سليمة تماماً. هنا يقع المحظور؛ يعتقد المريض أنها إصابة بسيطة ويعود للتحميل على العظم المصاب، مما قد يحول الكدمة إلى تلف دائم في سطح المفصل أو نخر عظمي. الوعي بأن "سلبية الأشعة لا تعني السلامة" هو أول خطوات العلاج الصحيح.
في هذا المقال المفصل، سنغوص في أعماق العظام لنفهم ماذا يحدث بالضبط عند الإصابة بكدمة عظمية، وكيف يمكن التمييز بينها وبين الإصابات الأخرى، وما هي البروتوكولات العلاجية الحديثة لضمان الشفاء التام.
ما هي كدمة العظام بالضبط؟
العظم ليس كتلة صلبة صماء كما يعتقد البعض، بل هو نسيج حي يحتوي على شبكة معقدة من الأوعية الدموية. يتكون العظم من قشرة صلبة خارجية ولب إسفنجي داخلي. كدمة العظام تحدث عندما تتعرض المنطقة لضربة قوية أو ضغط هائل (مثل القفز والهبوط بقوة) لا يكفي لكسر القشرة الخارجية، ولكنه يكفي لتحطيم بعض الحواجز العظمية الدقيقة في اللب الإسفنجي، مما يسبب نزيفاً وتورماً (وذمة) داخل العظم نفسه.[2]
هل تعلم؟ أن مصطلح "كدمة العظام" حديث نسبياً في الطب؟ لم يتم التعرف عليه بشكل دقيق إلا مع انتشار استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، حيث أن هذه الإصابة لا تظهر أبداً في الأشعة السينية التقليدية التي تظهر الكالسيوم فقط، بينما يظهر الرنين السوائل والنزيف داخل العظم.
أنواع كدمات العظام ومواقعها الشائعة
تختلف شدة ومكان الكدمة حسب طبيعة الإصابة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
- كدمة تحت السمحاق (Subperiosteal hematoma): تحدث عندما يتجمع الدم تحت الغشاء الرقيق المغلف للعظم. هذا النوع مؤلم جداً وغالباً ما يحدث في عظمة الساق الأمامية (الظنبوب) نتيجة الركلات المباشرة.
- كدمة بين العظام (Interosseous bruising): تحدث في النخاع العظمي الداخلي نتيجة الضغط المتكرر أو السقوط القوي. تشيع في الركبة والكاحل لدى العدائين ولاعبي كرة السلة.
- كدمة تحت الغضروف (Subchondral bruise): وهي الأخطر، حيث تحدث الإصابة في العظم الملاصق للغضروف المفصلي. هذا النوع قد يؤدي إلى تلف الغضروف ومشاكل في المفصل مستقبلاً.
وهذا يشبه: إسقاط ثمرة خوخ على الأرض. قد يبدو الجلد الخارجي سليماً تماماً، لكنك إذا قطعتها ستجد المنطقة الداخلية "مهروسة" ومتغيرة اللون. العظم يعمل بنفس الطريقة؛ القشرة الخارجية صلبة وسليمة، لكن البنية الداخلية تضررت ونزفت.
الأعراض والتشخيص: كيف تعرف أنها كدمة عظم؟
التمييز بين كدمة العظام وكدمة الأنسجة الرخوة (العضلات) أمر ضروري لتحديد العلاج. إليك الفروقات الجوهرية:
| العرض | كدمة الأنسجة الرخوة | كدمة العظام |
|---|---|---|
| مدة الألم | أيام قليلة إلى أسبوعين | من 3 أسابيع إلى عدة أشهر |
| نوع الألم | سطحي، يقل مع الراحة بسرعة | عميق، نابض، يستمر ليلاً |
| التورم | موضعي وواضح (أزرق/أرجواني) | قد يكون عميقاً وغير مرئي، مع تيبس بالمفصل |
نصيحة ذهبية: التغذية تلعب دوراً حاسماً في سرعة شفاء كدمات العظام. تأكد من حصولك على كميات كافية من الكالسيوم، وفيتامين D، والبروتين. والأهم من ذلك، فيتامين K2 الذي يساعد على توجيه الكالسيوم إلى العظام وليس الأنسجة. التدخين هو العدو الأول لشفاء العظام، لذا التوقف عنه يسرع التعافي بشكل ملحوظ.[3]
العلاج والتعافي: الصبر هو المفتاح
للأسف، لا توجد "حبة سحرية" لعلاج كدمة العظام. العلاج الأساسي يعتمد على منح الجسم الوقت والموارد لإصلاح نفسه. عملية الشفاء قد تستغرق من 4 أسابيع إلى 6 أشهر حسب شدة الإصابة.
خطوات العلاج الأساسية:
- تخفيف الأحمال (Off-loading): هذه هي الخطوة الأهم. قد يتطلب الأمر استخدام العكازات لعدة أسابيع لمنع وزن الجسم من الضغط على العظم المتضرر وتفاقم الكدمة.
- الثلج والرفع: لتقليل التورم وتدفق الدم الزائد للمنطقة، مما يخفف الألم النابض.
- مسكنات الألم: يفضل استخدام الأسيتامينوفين (الباراسيتامول). يجب الحذر من استخدام مضادات الالتهاب (NSAIDs) مثل الإيبوبروفين لفترات طويلة، حيث تشير بعض الدراسات إلى أنها قد تبطئ عملية التئام العظام في المراحل الأولى.
- العودة التدريجية: لا يمكن العودة للرياضة إلا بعد اختفاء الألم تماماً. العودة المبكرة تعني إعادة الإصابة من الصفر.
تحذير هام: تجاهل كدمة العظام والاستمرار في التحميل عليها (خاصة في الركبة أو الورك) قد يؤدي إلى حالة خطيرة تسمى "نخر العظام اللاوعائي" (Avascular Necrosis)، حيث يموت جزء من العظم بسبب نقص التروية الدموية، مما قد يستدعي تدخلاً جراحياً معقداً.[4]
تذكر دائماً: الألم هو لغة جسدك ليخبرك بالتوقف. في حالة كدمة العظام، الألم ليس تحدياً يجب التغلب عليه، بل هو إشارة حمراء تعني أن العظم لا يزال هشاً ويحتاج للحماية. احترام الألم هو أقصر طريق للشفاء.
الخاتمة: استمع لجسدك
كدمة العظام هي إصابة تتطلب الصبر والاحترام. قد تبدو غير مرئية في الأشعة، لكن تأثيرها حقيقي ومؤلم. الفهم الصحيح لطبيعة هذه الإصابة والالتزام بفترة الراحة المطلوبة هو الفارق بين الشفاء التام والعودة للملاعب، وبين المعاناة من آلام المفاصل المزمنة لسنوات. لا تستعجل العودة، فالعظام تشفى ببطء ولكن بثبات.
خلاصة القول: كدمة العظام هي تهشم داخلي في العظم لا يظهر في الأشعة السينية ويتطلب تشخيصه الرنين المغناطيسي. علاجها الأساسي هو الراحة وتخفيف الأحمال لفترة قد تصل لعدة أشهر، وإهمالها قد يؤدي لتلف دائم في العظم والمفاصل.
رسالة أخيرة: إذا تعرضت لإصابة قوية واستمر الألم لأكثر من أسبوعين رغم سلبية الأشعة السينية، لا تتردد في طلب إجراء رنين مغناطيسي. التشخيص المبكر لكدمة العظام قد ينقذك من مضاعفات أنت في غنى عنها.


















